الجمعة، 16 سبتمبر 2011

هل حكم بريطانيا ملك مسلم؟

أ. أورخان محمد علي

   من يفتح الموسوعة البريطانية أو الموسوعة الفرنسية "لاروس" على كلمة "أوفا" (OFFA)، فإنه يقرأ تاريخ هذا الملك الأنجلوسكسوني الذي حكم إنجلترا 39 عامًا (اعتبارًا من 757م حتى 796م)، وكان من أقوى ملوكها في ذلك العهد المبكر من تاريخ إنجلترا. كان ملكًا أول الأمر على "مارسيا" (Mercia)، أو ما يُطلق عليه اسم "إنجلترا الوسطى" (Middle England) التي كانت مملكة ملكية ضمن 7 ملكيات كانت موجودة آنذاك. وقد وسّع مملكته بعد أن فتح هذه الملكيات الصغيرة حوله أمثال "كنت" (Kent) و"وست" (West) و"ساكسونس" (Saxons) و"ولش" (Welsh)، كما قام بتزويج بناته من حاكم "وساكس" (Wessex)، وحاكم "نورثومبيا" (Northumbia)؛ فوسع بذلك دائرة نفوذه حتى شمل كل أجزاء إنجلترا تقريبًا، ودخل في معاهدات مع ملك فرنسا "شارلمان" ومع البابا "أندريان الأول".
والأثر المهم الباقي من عهده هو السور أو السد الذي بناه بين "مارسيا" و"واش"، الذي يُعرف حتى الآن بـ"سور أوفا".

إلى هنا فكل شيء اعتيادي..

ولكن عام 1841م حمل معه مفاجأة كبيرة للمؤرخين؛ فقد تم العثور فيه على قطعة نقد ذهبية غريبة تمامًا تعود لعهد هذا الملك الإنجليزي القوي.

ولكن أي غرابة في هذه القطعة الذهبية المحفوظة الآن في شعبة النقود القديمة في المتحف البريطاني لكي تُعدّ مفاجأة؟!

الغرابة أننا نجد كلمة الشهادة وآية قرآنية مكتوبة باللغة العربية على وجهي هذه القطعة النقدية.

 
وإليكم التفاصيل:

ففي أحد وجهي القطعة توجد كتابة باللغة العربية، وهي "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، وفي الحافة كتبت عبارة "محمد رسول الله"، ثم الآية الكريمة {أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33].

أما في وسط الوجه الثاني فنجد كتابة عربية أخرى وهي "محمد رسول الله"، وفي وسط هذه الجملة سجل اسم الملك "أوفا" باللغة الإنجليزية. أما في الحافة فقد كتب باللغة العربية: "بسم الله.. ضرب هذا الدينار سبع وخمسين ومائة".

وكما يفهم من إمضاء الملك أوفا فإن هذه القطعة ضربت خلال الأعوام 757 - 796م، وسنة 157 هجرية الواردة في قطعة النقد تصادف عام 774م، وهي ضمن فترة حكم الملك "أوفا".

لقد كتبت بحوث عديدة حول هذه القطعة النقدية، وألقيت محاضرات كثيرة حولها، وقدم المؤرخون فرضيات ونظريات عديدة لتفسير لغز هذه القطعة النقدية.

أهم هذه الفرضيات هي:
1- الفرضية الأولى: إن الملك "أوفا" اعتنق الإسلام.

2- الفرضية الثانية: إن الملك "أوفا" استعمل هذه الجمل والكلمات العربية والآيات كزخرفة أو كزينة دون أن يفهم معناها.

3- الفرضية الثالثة: كان الملك "أوفا" قد عقد سنة 787م معاهدة مع البابا "أندريان الأول" تقضي بقيام الملك بدفع فدية سنوية إليه؛ فقد تكون هذه القطع الذهبية قد سُكّت خصيصى لهذا الغرض.

4- الفرضية الرابعة: إن الملك "أوفا" سكّ هذه النقود لمساعدة الحجاج من مواطنيه من الراغبين في زيارة القدس؛ لكي تستعمل من قبلهم من أجل تأمين سهولة السفر إلى هذه الديار؛ أي أن السبب كان سياسيًّا.

مناقشة هذه الفرضيات
من الواضح أن الفرضية الثانية لا تتفق مع المنطق الإنساني السليم؛ إذ من المستحيل أن يقوم أي ملك بكتابة جمل لا يعرف معناها على النقود التي يقوم بسكها ومن أجل الزينة فقط، علمًا بأن هذه الجمل هي كلمة الشهادة التي تلخص أساس العقيدة الإسلامية، وكلمة الشهادة هذه هي التي تجعل الشخص مسلمًا؛ أي ليست أي عبارة يمكن أن تكتب من أجل الزينة.

صحيح أن بعض ملوك أوربا المنبهرين بالحضارة الإسلامية قاموا بكتابة أسمائهم باللغة العربية على النقود التي سكّوها؛ أمثال "ألفانسو الثامن" و"فاسيلس ديميتريش"، وبعض أمراء النورمان أمثال "وليام دروجر"، حتى إن الإمبراطور الألماني "هنري الرابع" سكّ اسم الخليفة العباسي "المقتدر بالله" على نقود بلده لإعجابه به، ولكن لم يقم أي واحد منهم بكتابة كلمة وشهادة التوحيد على نقود بلده مثلما فعل الملك "أوفا" دون وعي، على حد زعمهم.

بالنسبة للفرضية الثالثة فإنها فرضية غريبة جدًّا وغير واقعية؛ إذ كيف يطلب البابا من الملك أوفا القيام بكتابة شهادة التوحيد على نقود الجزية التي فرضها عليه؟! فهذه الفرضية تبدو غير منطقية وربما مستحيلة؛ ذلك لأن المقام البابوي كان آنذاك من أعدى أعداء الإسلام؛ لذا فمن الطبيعي أن يرفض البابا رؤية شعار وعقيدة عدوه على النقود، حتى وإن كان على شكل زينة أو زخرفة.

بالنسبة للفرضية الرابعة:
هذه الفرضية أيضًا فرضية بعيدة الاحتمال وضعيفة؛ إذ من الصعب الاقتناع بأن الملك أوفا قد سك هذه النقود لمساعدة مواطنيه من الحجاج وتسهيل زيارتهم للقدس؛ ذلك لأن المسلمين في ذلك العهد لم يكونوا يمنعون، ولا يضعون أي عقبات أو عراقيل أمام المسيحيين من جميع الأقطار المسيحية في أوربا في زيارة المدن المقدسة لديهم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المسيحيين كانوا يتجولون أصلاً في البلدان الإسلامية بكل حرية قبل عهد الملك أوفا وفي عهده وبعده أيضًا. أي لم تكن هناك أي حاجة لمثل هذا التدبير.

 وقد يتبادر إلى الذهن احتمال أن بلد هذا الملك كان عاجزًا آنذاك عن القيام بسك النقود؛ لذا اضطر إلى القيام بسك نقوده في أحد البلدان العربية.

ولكن هذا الاحتمال يبدو ضعيفًا أيضًا؛ لأن الموسوعة البريطانية تذكر أن أهم إنجاز باق حول حكم هذا الملك هو تأسيسه وسكه لنوع جديد من العملات تحمل اسم الملك واسم ضاربها، وهناك الكثير من العملات التي تحمل صورة الملك أوفا، أو صورة زوجته الملكة "كانثريز".

وقد استخدم هذا النظام في سك النقود في إنجلترا لعدة عصور، ومن الممكن مشاهدة نماذج أخرى من النقود التي تم سكها في عهد هذا الملك في مبحث العملات، وفي مبحث حياة هذا الملك في الموسوعة البريطانية؛ أي أن احتمال عجز هذا الملك عن سك النقود في بلده غير وارد على الإطلاق.

الحقيقة الواضحة هي أن الملك أوفا كان قد اعتنق الإسلام، ولكننا لا نعثر على دليل آخر، ولا على أي وثيقة أخرى عدا هذه النقود، كما لا نعلم شيئًا عن كيفية إسلامه. ويرجع السبب في هذا -كما يقول المؤرخون- إلى أن الكنيسة الإنجليزية قامت بالقضاء على كل الوثائق العائدة لهذا الملك؛ بسبب اعتناقه الإسلام.

هل اعتنق هذا الملك الإسلام وحده، أم مع أفراد عائلته ومع مقربيه؟ هذا ما لا نعرفه ولا نملك حوله أي معلومات حاليًا. والذي نعتقده هو أن هذا الملك قد يكون قد التقى بعض علماء الإسلام عند زيارته لمدينة القدس، فآمن بالإسلام واعتنقه، أو قد يكون قد اتصل بالإسلام عن طريق الأندلس.

والشيء الغريب أنه لا الموسوعة البريطانية ولا الموسوعة الفرنسية "لاروس" تشيران إلى هذه الناحية بل تهملانها تمامًا، وهذا يدعم اعتقاد الذين يرون أنه حتى هذه الموسوعات المعروفة لا تتحلى بالروح العلمية وبالروح الحيادية المفروض توفرها فيها.. ولا نقول حاليًا أكثر من هذا؛ فالحر تكفيه الإشارة. ويا حبذا لو قام المؤرخون المسلمون بدراسة تاريخ هذا الملك، فلا شك أنهم سيصلون إلى نتيجة إيجابية.


تابع القراءة ....

الأحد، 11 سبتمبر 2011

إخوان الصفا جناح فكري للباطنية

د. محمد أمحزون

انتماؤهم الفكري:
    إخوان الصفا جماعة فكرية ظهرت بالبصرة في القرن الرابع الهجري، وهم في الظاهر جماعة من الأصدقاء العقلاء، والإخوان الألبَّاء، سلموا من الشوائب البشرية، وتحلَّوا بأوصاف الكمالات الروحانية[1].

   وهم أيضًا في نظر آخرين: "عصابة قد تآلفت بالعِشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة؛ فوضعوا بينهم مذهبًا زعموا أنهم قرَّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله..."[2].

   ولكنهم في واقع الأمر جماعة سرية باطنية، مزجت الفلسفة الإغريقية والعقيدة الباطنية ببعض المبادئ الإسلامية. ونتيجة لذلك؛ فهي أُولَى ثمار الحركة الباطنية التي استغلت التشيُّع والتصوف الفلسفي، وجعلت من ذلك ستارًا؛ لنشر رسائلها وأفكارها الهدَّامة بأسلوب متلوِّن غير صريح وغامض؛ حيث جمجموا[3] ولم يفصحوا للتلبيس على الأتباع.

   ولذلك خفي أمرهم على كثير من الناس حتى في عصرنا هذا، وأصبحوا لغزًا مبهَمًا في التاريخ الإسلامي، واختلف الباحثون والعلماء في تصنيفهم، إلا القليل من العلماء النقَّاد المحققين الذين كشفوا عن هويتهم وأهدافهم، وعن فحوى رسائلهم[4].

   يعرِّفهم ابن تيمية بقوله: "كانوا من الصابئة المتفلسفة المتحنِّفة؛ جمعوا -بزعمهم- بين دين الصابئة المبدِّلين وبين الحنيفية، وأتوا بكلام المتفلسفة وبأشياء من الشريعة، وفيه من الكفر والجهل شيء كثير..."[5].

   وقال الذهبي حين ترجم لأبي حامد الغزالي في كتاب السِّيَر: "وحُبِّبَ إليه إدمان النظر في كتاب (رسائل إخوان الصفا) وهو داء عضال، وجَرَبٌ مُرْدٍ، وسُمٌّ قاتل، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء لتَلَف"[6].

   وفعلاً كما يقول ابن تيمية والذهبي -رحمهما الله- لقد ضل إخوان الصفا وزاغوا عن الصراط المستقيم، وشطحوا شطحات كثيرة لا سيما في تأثُّرهم ببعض الِملَل الزائغة والعقائد الوثنية، وإن كانت هذه الوثنية غامضة الملامح؛ ليست بالإغريقية الصرفة، ولا بالبابلية والآشورية الخالصة، وليست مزدكية ولا مانوية، وإنما هي خليط من جميع هذه العناصر المختلفة.

   وهكذا نجد أن المبادئ العامة التي بنى عليها إخوان الصفا نظرياتهم مقتبَسة من الديانات المختلفة (موحِّدة ومجوسية)، جاهدين في التوفيق بينها كلها.

   وقد انتهت بهم نزعتهم التلفيقية هذه إلى أن يَرَوا في جميع المذاهب الفلسفية والوثنية والموحدية مذهبًا واحدًا يوفِّق بين جوهر الأديان، ولهذا قالوا: "الرجل الكامل يكون فارسي النسب، عربي الدين، عراقي الأدب، عبراني المخبَر، مسيحي المنهج، شامي النسك، يوناني العلم، هندي البصيرة، صوفي السيرة، ملَكيَّ الأخلاق"[7].

   وقالوا كذلك: "ينبغي لإخواننا ألاَّ يعادوا عِلمًا من العلوم، أو يهجروا كتابًا من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم كلها"[8].

   إن هذه الرؤية محاولة لوضع نظام ديني جديد يَحُل مَحَل الشريعة الإسلامية التي يزعم إخوان الصفا أنها أصبحت لا تؤدي رسالتها، وهي دعوة إلى دين عالمي جديد وضْعي، على غرار ما يفعل الماديون الغربيون المعاصرون؛ بوضعهم أسس نظام عالمي جديد يقوم على القوانين الوضعية التي تعارف عليها البشر؛ قِوامه الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبلورتْها العولمة في شتى المجالات (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية)، وتمخَّض عنها الإنسان الكوني الذي تجتمع فيه الصفات التي ينبغي -في زعمهم وحسب أهوائهم- أن تكون قاسمًا مشترَكًا بين بني البشر.

   وبالجملة؛ فإننا نجد في توجُّه إخوان الصفا نزعة باطنية ذات مسحة شيعية عامة؛ تتجلى في بعض مقاطع الرسائل، كما سنرى. إلاَّ أن الفكر الذي يحمله هؤلاء يتعدى حدود المذاهب الشيعية المتعددة، كما يخرج على حدود الفِرق الإسلامية المعروفة؛ فهو فكر انتقائي يجمع بين الكثير من المعتقدات الدينية والمذاهب الفكرية، وينفتح أصحابه على أفكار كل نِحلة، ويبتغون جَمْعَ حكمة كل الأمم والأديان والمِلل؛ مذهبهم حسب تعبيرهم: "يستغرق المذاهب كلها، ويجمع العلوم جميعها، وذلك أنه بالنظر في جميع الموجودات بأسْرِها (الحسية والعقلية، من أولها إلى آخرها، ظاهرها وباطنها، جليِّها وخفيِّها) بعين الحقيقة من حيث هي كلها مبدأ واحد، وعلَّة واحدة، وعالَم واحد"[9].

بعض أمثلة التأويل عند إخوان الصفا :
   أوَّلَ إخوان الصفا الثواب والعقاب الحسي الموجود في الجنة والنار؛ فزعموا: "أن جهنم هي: عالم الكون والفساد التي هي دون فلك القمر، وأن الجنة هي: عالم الأرواح وسعة السموات، وأن أهل جهنم هم: النفوس المتعلقة بأجساد الحيوانات التي تنالها الآلام والأوجاع دون سائر الموجودات"[10].

   وهم في سبيل البرهان على معتقداتهم؛ يعمدون إلى تأويل الآيات القرآنية التي تتحدث عن عذاب جهنم ونعيم الجنة.

   فمن الآراء الفاسدة في زعمهم: "من يظنون أن جهنم هي خندق محفور، كبير واسع، مملوء من نيران تشتعل وتلتهب، وأن الله -تعالى- يأمر الملائكة -قصدًا منه وغيظًا على الكفار- أن يأخذوهم ويرموهم في ذلك الخندق، ثم إنه كلما احترقت أجسادهم وصارت فحمًا ورمادًا، أعاد فيها الرطوبة والدم حتى تشتعل من الرأس ثانيًا كما اشتعل أول مرة، وهكذا يكون دأبهم أبدًا"[11].

   وهذا الرأي على حد زعمهم يعني الإساءة إلى الله تعالى، والاعتقاد بأن فيه من الحقد وقِلَّة الرحمة لخلقه[12]، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.

   ويرون أن من الاعتقادات والآراء المحيِّرة، والتي تبعث على الشك والريبة، أن يعتقد الإنسان أنه يباشر الأبكار في الجنة ويلتذ بها، وأن يرجو الجنة بعد خراب السموات وطيها كطي السجل للكتب، وأن يعتقد أن الأعمال تُجعل في كفتي الميزان، وأن يعتقد سؤال منكر ونكير في القبر من جسد الميت، وأن يعتقد أن في الجحيم تنانين وثعابين وأفاعيَ يأكلن الفساق، وما شاكل هذه الاعتقادات المؤلمة لنفوس معتقديها[13].

   بَيْد أن هذا الكلام ينفي القدرة والحكمة عن الله -تعالى- حين يرى إخوان الصفا أنه لا مجال لرجاء الجنة بعد خراب السموات وطيها كطي السجل للكتب، وفيه إلحاد في أسمائه -تعالى- وتعطيلها عن معانيها وجحد حقائقها؛ فقدرة اللهطليقة لا يحدها شيء، إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون. كما أن أفعاله -تعالى- على مقتضى الحكمة من جميع الوجوه؛ إذ لا بد من مجازاة المسيء بالعقاب والعذاب، ومجازاة المحسن بالفضل والجنة، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31]. ويوم الدين هو ميقات الفصل بين العباد {إنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الدخان: 40].

   ولأجل ذلك؛ فإن اعتقادهم هذا من أعظم الإلحاد في أسماء الله الحسنى وصفاته العلا؛ عقلاً وشرعًا ولغة وفطرة: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180]. ومَرَدُّ ذلك أن إخوان الصفا استنبطوا اعتقاد الفلاسفة الماديين الذين سلبوا الله -تعالى- صفات كماله، وجحدوها وعطلوها.

   وقد أدى تأويلهم للبعث والقيامة إلى إنكار الحشر والنشور؛ إذ اعتقدوا أن خراب العالم وحشر الأجساد يوم القيامة شيء يأباه العقل، وإنما هي أحوال تطرأ على النفس بعد الموت أو حين تنتبه من غفلتها في الدنيا، في كلام متناقض مضطرب لا يوقن بحقائق الآخرة. يقولون: "إن البعث والقيامة أمور تقال لعامة الناس ولمن لا يعرف من الأمور شيئًا. أما الخاص ومن نظر في العلوم، فإن هذا لا يصلح لهم؛ وذلك لأن كثيرًا من العقلاء والحكماء (الفلاسفة) ينكرون خراب السموات، ويأبون ذلك إباءً شديدًا، والجيد لهم أن يعتقدوا أمر الآخرة، وأن لها عَودًا متأخرًا عن الكون في الدنيا، كما كان في الدنيا موجودًا متأخرًا عن الكون في الرحم، وكما كانت أيام الشيخوخة متأخرة عن أيام الشباب... وهي أحوال تطرأ على النفس بعد مفارقتها الجسد إذا هي انتبهت من نوم غفلتها في الدنيا، واستيقظت من رقدة جهالتها قبل الممات"[14].

   وهذه عقيدة مستوحاة من نظرة الفلاسفة الماديين إلى الكون والحياة؛ إذ يؤمنون بقِدَم العالم وخلوده، وأنه لا يلحقه الزوال والخراب، وأنه لا بعث ولا حساب على الإنسان بعد مماته؛ ولهذا ينكر إخوان الصفا اليوم الآخر، كما جاء في الكتاب العزيز والأحاديث الشريفة ويؤمن به المسلمون.

   كما أنكروا في رسائلهم -أيضًا- وجود إبليس والشياطين؛ فالاعتقاد بوجودهم -على حد زعمهم- من الآراء الفاسدة. يقولون: "ومن الآراء الفاسدة من يعتقد أن الله خلق خلقًا وربَّاه وأنماه وأنشأه وسلَّطه وقوَّاه على عباده متمكنًا في بلاده، ثم ناصبه العداوة والبغضاء، وهو إبليس وجنوده من الشياطين"[15].

   وبالجملة؛ فإن المتأمل في رسائلهم يرى بجلاء ووضوح أنهم لا يؤمنون بالأمور الغيبية مطلقًا، رغم أنها شرط في صحة الإيمان بالله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: ٣]، بل أوَّلُوها إلى أمور حسية، كما رأينا في تأويلاتهم للجنة والنار متأثرين بلوثة وترَّهات الفلاسفة الماديين الذين انسدَّت في قلوبهم مدارك البصيرة، والمعرضين عن آيات الله -تعالى- التي لا تحصى في الآفاق والأنفس.

   من خلال ما تقدم نلاحظ بوضوح أن رسائل إخوان الصفا كانت مقدِّمة لتحويل الدعوة الباطنية إلى مؤامرة خطيرة لتدمير العقيدة والشريعة الإسلامية معًا، وتفكيك الدولة الإسلامية.

   فإخوان الصفا جماعة سِرَّية من الباطنية المجوس والزنادقة الحاقدين على الإسلام واللغة العربية، كان هدفهم من كتابة هذه الرسائل وضع مخطط لتقويض المجتمع الإسلامي؛ إذ لما تعذَّر عليهم مَطلَبُهم وعزَّ عليهم مرامهم بالنيل من الإسلام، لجئوا إلى حقن جسد الأمة الإسلامية بأنسجة فاسدة، وما ذلك إلا التلفيق بين دين الأمة وهويتها وخصوصيتها الحضارية، وبين ما يناقض دينها ويصادم هويتها وينتهك خصوصيتها الحضارية، من المناهج الفكرية الدخيلة الضارة.

   وقد أسهم في تنفيذ هذا المخطط الذي وضع لبِنَاته، إخوان الصفا، العبيديون في بلاد المغرب ومصر، والحشاشون في بلاد فارس، والدروز والنصيرية في بلاد الشام.

   كما حاول إخوان الصفا وضع دين عالمي جديد يحل محل دين الإسلام بعقيدته وشريعته، التي يزعمون أنها أصبحت عتيقة لا تؤدي رسالتها.

   وقد أخفقت محاولتهم إخفاقًا تامًّا؛ فلم تنتج نظامًا علميًّا، ولم تنشئ مجتمعًا جديدًا يقوم على أساسها، وأصبحت في مدة قريبة من الآثار التاريخية التي لا تأثير لها في حياة الناس، وإن تلقَّفت الفِرق الباطنية الأخرى أفكارها، واستعانت بها في تقويض دعائم المجتمع الإسلامي في فترات من تاريخه.

   وفي العصر الحديث كان من أبرز أعمال الغزو الثقافي والتغريب ممثلاً في الاستشراق والتنصير، هو إعادة طبع وإحياء رسائل إخوان الصفا من جديد؛ بهدف التشويش على خط الإسلام الأصيل الذي يمثله القرآن والسُّنة، فقامت المطبعة الكاثوليكية في بيروت بإعادة طبع هذه الرسائل.

   ثم جاء دعاة التغريب وتلاميذ المستشرقين في العالم الإسلامي فأعلَوْا من قيمة هذه الرسائل، وقالوا: هي أعظم ذخيرة أدبية وفلسفية، هكذا علَّمهم المستشرقون. وعلى رأس هؤلاء طه حسين الذي ادعى أن إخوان الصفا قوم مجدِّدون مصلِحون، قدَّموا للمجتمع الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية؛ لإنشاء ثقافة جديدة، هي الثقافة التي يجب على الرجل المستنير أن يظفر بها! وهذا خداع من طه حسين لقومه؛ فإن رسائل إخوان الصفا ما وُضِعَت إلا لهدم الإسلام، وما جُدد طَبْعها ونَشْرها إلا لهذا الغرض.

   ومن المشروعات التلفيقية التي ظهرت في عصرنا متأثرة بفكر إخوان الصفا مشروع (اليسار الإسلامي) الذي حاول التوفيق بين الإسلام والماركسية؛ إذ أراد هذا المولود المشوَّه المعاق أن يتبنى قضايا الثورة والاشتراكية والعدل الاجتماعي وغيرها من القضايا.

   و(إخوان الصفا الجدد) دعاة هذا المشروع المشبوه لمَّا انفض الناس عن دعوتهم الاشتراكية التي فشلت في عُقْر دارها، ونفر الناس من مبادئهم اليسارية، لجئوا إلى حيلة التوفيق أسوة بأسلافهم الباطنيين والزنادقة.

   وهذا أسلوب المنافقين في كل زمان، كما قال الله -تعالى- عنهم في التنزيل: {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ إحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 61، 62].

   وقد حمل راية هذا المشروع المشوَّه لفيف من الزنادقة الباطنيين والعلمانيين، أمثال: فتحي عثمان، ومحمود إسماعيل، وسيف الإسلام محمد، ومحمد عابد الجابري... وغيرهم؛ غير أن الذي تولى كِبْرَه في النهوض بهذا هو (حسن حنفي) صاحب مجلة "اليسار الإسلامي".

وخلاصة القول:
   على الرغم من طَبْع ونَشْر رسائل إخوان الصفا كجزء من مخطط التغريب والغزو الثقافي الذي دشَّنه المستشرقون وتلامذتهم المنتسبون للإسلام، وعلى الرغم من رفع أهل التخريب العقدي من إخوان الصفا الجدد عقيرتهم للجمع بين التيارات المتناقضة تحت عباءة اليسار الإسلامي؛ لنسف الإسلام وتفكيكه من الداخل، فإنَّ مخططات هؤلاء جميعًا للنيل من الإسلام الدين الحق باءت بالفشل ولله الحمد، كما قال الشاعر العربي:

كناطـحٍ صخـرةً يومًا ليوهنهـا *** فلم يُضِرْها وأوهى قرنه الوعِلُ[16]

   على أنه قد ظهر قديمًا وحديثًا من علماء المسلمين من تصدَّى لكشف زيف رسائل إخوان الصفا؛ فما هي إلا سموم عرفها أهل الأصالة الإسلامية، وضلال وزيغ أبانوا عن فساده.. {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد: 17].

   وحسبك أن تكون هذه التوفيقية المتلونة في رسائل إخوان الصفا منهج الكافرين حقًّا؛ إذ لم تُنتِج إلا التناقض والارتباك، والحيرة والاضطراب، وهذه -لعمرُ الله- ثمرات النفاق الاعتقادي، والكفر بالله والإشراك به.

   لقد فضح اللهدعاة هذه المناهج التلفيقية المشبوهة، وهتك سترهم بقوله جلَّ ذِكْره: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 150، ١٥١].

د. محمد أمحزون





--------------------------------------------------------------------------------

[1] خير الله سعيد: النظام الداخلي لحركة إخوان الصفا ص35.

[2] أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، الليلة السابعة عشرة، ص123.

[3] جمجم: لم يُبَيّن كلامه. لسان العرب: مادة (جمم).

[4] من كتاب (الباطنية وموقف الإسلام منهم)، د. جميل أبو العلاء، دار المعارف بمصر، وكذلك (فضائح الباطنية) للغزالي، تحقيق: محمد قطب، نشر: المكتبة العربية بيروت.

[5] مجموع الفتاوى 4/79.

[6] سير أعلام النبلاء 19/328.

[7] رسائل إخوان الصفا 4/240.

[8] المصدر السابق 4/42.

[9] المصدر السابق، الصفحة نفسها.

[10] رسائل إخوان الصفا 3/63.

[11] المصدر السابق 3/62.

[12] المصدر السابق، الصفحة نفسها.

[13] المصدر السابق 3/87.

[14] المصدر السابق 4/40.

[15] المصدر السابق 4/62.

[16] ديوان الأعشى ميمون بن قيس ص61.


تابع القراءة ....

اسم هامان معجزة قرآنية

أ.أورخان محمد علي

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص: 38].

   دأب المستشرقون منذ سنوات عديدة على تكرار شبهة ضد القرآن كانوا يعتقدون أنها شبهة قوية، فذكروا أن ورود اسم "هامان" كأحد المقربين إلى فرعون في عهد موسى عليه السلام  خطأ تاريخي؛ فالتوراة لم تورد اسم هامان عند ذكرها قصة موسى عليه السلام وبني إسرائيل مع فرعون، كما لم يذكر هذا الاسمَ أي مؤرخ يوناني قديم، ولم يرد اسمه في أي نص تاريخي قديم يتكلم عن تاريخ مصر القديم، ولم يرد هذا الاسم إلا في سِفْر "أستير" في التوراة، حيث ورد فيه أن ملك بابل "أحشوبروش" كان له وزير اسمه هامان، وأن هذا الوزير كان يعادي اليهود الموجودين في بابل بعد الأسر البابلي، وأنه ظلمهم ظلمًا كبيرًا. ولكن اليهود تخلصوا من وضعهم المُزري ومن ظلم هذا الوزير بعد زواج الملك من فتاة يهودية حسناء فتنته، وسعت لدى الملك حتى نجحت في قتل هذا الوزير والانتقام لشعبها؛ أي إن هامان لم يكن في عهد فرعون موسى عليه السلام في مصر، بل في بابل وبعد ألف عام تقريبًا من وفاة موسى عليه السلام ، أي يقع القرآن -بزعمهم- في خطأ تاريخي كبير.

   يقول الدكتور عبد الجليل شلبي الأمين العام السابق لمجمع البحوث الإسلامية إنه لا يوجد أي مانع منطقي من وجود شخص اسمه هامان في عهد فرعون موسى عليه السلام ، وشخص آخر بالاسم نفسه في عهد ملك بابل "أحشوبروش". ويشير إلى أن قصة الفتاة أستير والملك ووزيره هامان قصة خيالية وأسطورة من الأساطير لا حقيقة لها. ويبرهن على ما يقول كالتالي: "إنها (أي قصة أستير) لم تذكر في غير التوراة، والنبيّان "عزرا" و"نحميا" اللذان كانا من أوائل العائدين من بابل، واللذان قصّا قصة السبي البابلي لم يشيرا إلى أستير ولا إلى أي شيء مما جاء في السفر المسمى باسمها، وكذلك المؤرخ الإغريقي "هيروديت" الذي عاصر أكزسيس ودوّن سيرته لم يشر إلى أستير وأحداثها. وربما كان اسم أستير محرفًا عن عشتار، وهذا مما يوضح أن القصة أخذت عن أسطورة بابلية"[1].

   أما جواب كتاب "حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين" فكان جوابًا مُوجزًا، وملخّصه أنه من الجائز أن كلمة "هامان" ليست اسمًا لشخص ولكنه لقب يطلق على "نائب فرعون"، مثلما يطلق اسم فرعون لقبًا على حاكم مصر أو ملكها[2].

   ولكن أفضل من شرح موضوع هامان هو العالم الفرنسي المسلم "موريس بوكاي" في كتابه "موسى وفرعون" (Moise et Pharaon)؛ إذ قام ببحث مستفيض حول قصتي يوسف وموسى -عليهما السلام- كما وردتا في التوراة، وقارنهما بما جاء في القرآن حولهما، وتوصل بعد بحث علمي وموضوعي دقيق إلى أن المعلومات العلمية المتوفرة لدينا تقف بجانب ما جاء في القرآن، وتخالف ما جاء في التوراة.

   يقول موريس بوكاي: "لقد جاء ذكر هامان في القرآن كرئيس المعماريين والبنّائين. ولكن الكتاب المقدس لا يذكر أي شيء عن هامان في عهد فرعون. وقد قمتُ بكتابة كلمة "هامان" باللغة الهيروغلوفية (لغة مصر القديمة)، وعرضتها على أحد المختصّين في تارخ مصر القديمة. ولكي لا أدعه تحت أي تأثير لم أذكر له أنها وردت في القرآن، بل قلت له إنها وردت في وثيقة عربية قديمة يرجع تاريخها إلى القرن السابع الميلادي. فقال لي المختصّ: "يستحيل أن ترِد هذه الكلمة في أي وثيقة عربية في القرن السابع؛ لأن رموز الكتابة باللغة الهيروغلوفية لم تكن قد حلّت آنذاك". ولكي أتحقق من هذا الأمر فقد أوصاني بمراجعة "قاموس أسماء الأشخاص في الإمبراطورية الجديدة" لمؤلفه "أللامند رانك". نظرتُ إلى القاموس فوجدت أن هذا الاسم موجود هناك ومكتوب باللغة الهيروغلوفية وباللغة الألمانية كذلك. كما كانت هناك ترجمة لمعنى هذا الاسم وهو "رئيس عمّال مقالع الحجر". وكان هذا الاسم أو اللقب يطلق آنذاك على الرئيس الذي يتولى إدارة المشاريع الإنشائية الكبيرة.

   استنسخت تلك الصفحة من ذلك القاموس وذهبت إلى المختص الذي أوصاني بقراءته، ثم فتحتُ ترجمة القرآن بالألمانية وأريته اسم هامان فيه، فاندهش ولم يستطع أن يقول شيئًا.

   لو جاء ذكر اسم هامان فرعون في أي كتاب قبل القرآن، أو لو جاء ذكره في الكتاب المقدس لكان المعترضون على حق، ولكن لم يرد هذا الاسم حتى نزول القرآن في أي نصّ، بل ورد فقط على الأحجار الأثرية لمصر القديمة وبالخط الهيروغلوفي. إن ورود هذا الاسم في القرآن بهذا الشكل المذهل لا يمكن تفسيره إلا بأنه معجزة، وليس ثمة أي تعليل آخر. أجل، إن القرآن أعظم معجزة".

   وكما سبق القول إنه ما من مؤرّخ أو كتاب أو نص أشار إلى شخص اسمه هامان كان مقربًا من فرعون مصر في عهد موسى عليه السلام ، ولم يكن أحد يعلم شيئًا كثيرًا عن تاريخ مصر القديم؛ لأن العلماء كانوا عاجزين عن قراءة الكتابات المصرية القديمة المكتوبة بالهيروغلوفية. وقد اندثرت اللغة الهيروغلوفية تدريجيًّا بعد انتشار المسيحية في مصر حتى انمحت تمامًا. وآخر نص مكتوب بهذه اللغة كان في عام 394م، ولم يعد أحد يتكلم بها أو يعرف قراءتها. واستمر هذا الوضع حتى عام 1822م عندما استطاع العالم الفرنسي "فراجيان فرانسوا شامبليون" فكّ رموز هذه اللغة التي كان هناك نص مكتوب بها على حجر رشيد (Rosetta Stone).

   وقد تم اكتشاف هذا الحجر من قبل ضابط فرنسي عام 1799م في أثناء الحملة الفرنسية على مصر في قرية رشيد بمحافظة البحيرة. كان هناك نص يمجِّد فرعون مصر وانتصاراته ومكتوب بثلاث لغات هي: اللغة الهيروغلوفية، واللغة الديموطيقية (وهي اللغة العامية المصرية القديمة) واللغة الإغريقية. وكان تاريخ الكتابة يعود إلى عام 196 ق.م. وساعد وجود هذه اللغات الثلاث العالم الفرنسي على فك رموز اللغة الهيروغلوفية. فقد قام بمضاهاة هذا النص بالنص الإغريقي ونصوص هيروغلوفية أخرى حتى نجح في فك رموز الهيروغلوفية؛ لأن النص اليوناني كان عبارة عن أربعة وخمسين سطرًا وسهل القراءة. وهذا يدل على أن هذه اللغات الثلاث كانت سائدة إبان حكم البطالسة الإغريق لمصر[3].

   وبعد حل رموز الكتابة الهيروغلوفية علمنا من الكتابات الموجودة على عدد من الأحجار الأثرية العائدة للتاريخ المصري القديم وجود شخص مقرب من فرعون مصر في عهد موسى عليه السلام كان مسئولاً عن البناء اسمه "هامان". وهناك حجر من هذه الأحجار المصرية القديمة ورد فيه هذا الاسم، وهو موجود في متحف "هوف" في "فيينا" عاصمة النمسا.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] د. عبد الجليل شلبي: مفتريات المبشرين على الإسلام.

[2] حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، المجلس الأعلى، مصر.

[3] أحمد محمد عوف: عبقرية الحضارة المصرية القديمة.

تابع القراءة ....