‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثورات والاعتصامات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثورات والاعتصامات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 20 أغسطس 2011

صوفي في حب الوطن

   حينما قامت الاعتصامات في ربوع السلطنة واشتد عودها راج بين الناس سؤال كان وقتها دائم الترداد ، حتى صارت عند البعض عبارة تُقال عوضا عن تحية السلام . فلم تكد تُحيي احد قابلته حتى يبدأ السؤال بحماس عجيب بقوله : انت مع الشعب  ام مع الحكومة ؟! .
   انني اعود بمخيلتي - عندما يطرح هذا السؤال - الى القرون الغابرة ، عندما يتواجه جيشان قبل بدء المعركة ، حيث يتخذ كل منهما موقعا يقابل فيه عدوه قبل الالتحام . فأتخيل جيشين ، الاول جيش الشعب والثاني جيش الحكومة .
   ان الاجابة دائما اننا مع الوطن ، فالوطن يشمل بين جنباته الحكومة والشعب ، وهو يسع الجميع . ولهذا فنحن مع الوطن من دون فصل بين مكوناته .
   اننا لسنا ضد الحكومة لمجرد انها تمثل الدولة ، على العكس ، فنحن ضد الفساد اينما كان موقعه ، سواء اكان موجودا بين بعض من يمثل الحكومة ، او مدسوسا بين بعض افراد الشعب ، سواء اكان هذا الفاسد وزيرا في الدولة ام مزارعا في ارضه او عاملا بسيطا في وظيفته ولكنهم جعلوا من اعمالهم وسلوكهم باباً الى الافساد في هذا الوطن .
   الوطن اكبر من ان يتمثل في شارع او حديقة او مبنى حكومي . ان حب الوطن غرس مكنون في القلب يصعب التعبير عنه ووصفه او الوفاء له بكل حقه .وما اجمل ان يكون كل واحد من افرادها ( صوفياً في حب الوطن ) .
   ان الوطن هو روح قبل ان يكون مادة ، لهذا يحب البدوي ارضه رغم انها صحراء قاحلة بالكاد توفر له ضروريات المعيشة ، تماما كما يحب الثري – الذي يعيش في قصور فارهة ويتنقل في سيارات فارهة – وطنه .
   فالغني مثل الفقير ، والبدوي مثل الحضري ، والمؤمن تماما كالملحد في حبهم للوطن الذي نشأوا فيه . انه شعور جبل عليه الانسان بطبيعته .
   ان تحجيم الوطنية وحكرها في المادة يسوقنا الى اخراج الوطن من اطار القدسية الذي نحيطه دوما بها . واننا بهذا التحجيم نعرض الوطن لمخاطر الخيانة والتخريب ، حيث لا يرضى عن الوطن الا من اغُدق عليه من خيراتها واغُرق في الثراء .
وهيهات له ان يرضى " فلو أُعطي واديا من ذهب لاحب اليه ثانيا ولا يملئ جوف ابن ادم الا التراب " .
   ان ذلك الذي يخون الوطن بتعاونه مع من يتربص بها الدوائر ، لا يختلف كثيرا عن الفاسد الذي يختلس من المال العام ، او هذا المخرب لمرافق الوطن ومنشآته ، فكلهم اجتمعوا على افساد الوطن وتعريف الوطنية بمنظور المادة البحتة المنزوعة الروح . وعندها ليس لنا ان نتعجب لماذا خانوا و سرقوا؟ّ! او كيف تجرؤا ان يخربوا ويحرقوا؟! .
تابع القراءة ....

البلطجة الفكرية

  
   ان الظواهر المستحدثة والغريبة تجد لها متنفسا وانتشارا اكبر بالتزامن مع الحوادث الكبرى التي تهز أي مجتمع . ولهذا تعد هذه المناسبات فرصة ملائمة لاعادة البناء و الهدم او التجديد لمجموعة من القيم والمعتقدات ، او لبث الافكار الصالح منها اوالطالح . ولذا فإن اعادة قراءة الاحداث ونقدها ضروري لتقييم الاوضاع وفرزها بما يلائم المجتمع ويعضد من عملية التجديد المستمر لها .
                                          ***   ***   ***
   المكان هو احد ميادين الاعتصامات ، والزمان هو يوم الجمعة ظهرا قبيل الخطبة . هناك اختلف الجموع في شخص الامام والخطيب ، وسبب هذا الخلاف ان احد هؤلاء المرشحين للخطبة والصلاة متهم من قبل فئة من المعتصمين ، حيث شكك بعضهم في وطنيته ، كما اتهمه البعض ايضا بالعمالة للحكومة ! .
   هذه الاتهامات وجهت بعد ان ضُبط صاحبنا المترشح للخطبة قبل عدة ايام من الاعتصامات وهو يرتكب (جريمة) الثناء على الحكومة ! .
   الشاهد من هذا ان البعض قد نصب نفسه متحدثا بإسم الشعب والوطن . لا ندري من الذي صدره ، ولا نعرف كذلك من اعطاه حق احتكار الوطنية لفئة يختارها اخونا ويقيمها ، ويمنعها فئة اخرى .
   المهم ان الذي لا يعجبه هو عميل و مطعون في وطنيته ، فقد اصبحت الوطنية في عهده تُوزع في صكوك اشبه ربما بصكوك الغفران التي كانت تصدرها الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى .
   هذه الوجوه الجديدة من البابوات العصرية كرمها غامر ، فهي لا تبخل ابدا ان تخلع على احد – اياً كان هذا الاحد – لقب عميل او خائن ، رغم ان هذا الموسوم بالعمالة والخيانة قد يكون له اياد بيضاء على الناس ، وممن له سابقة فضل على المجتمع . لكن هذا البابا المستنسخ لا يأبه بهذا  كله ولا يعترف به .
   من المفارقات ان هذا الكرم الحاتمي في توزيع صكوك العماله والقذف والتشهير بالمخالف يقابله شح شديد في تقديم خدمة مفيدة للوطن . فهذا (البابا) – في الغالب – لم يكن يرضى ان يقدم خدمة للمجتمع الا بمقابل مادي ، فهو يتساوى مع العامل الوافد الذي لا يعرف معنى الوطنية للارض التي يعمل عليها ، ويأبى ان يقدم خدمة تطوعية – ولو يسيرة – للوطن .
   ان الاصرار على تصنيف الناس الى فئتين لا ثالث لهما – فئة العميل والخائن ، وفئة الوطني – ظلم كبير يأباه الشرع والقانون ، كما ترفضه الفطرة السليمة ، وهي موافقة للمبدأ اليوناني القديم للمناطقة القائل :" الذي ليس معي فهو ضدي " ، ومخالفة لقول الله تعالى : " ولا يجرمنكم شنئان قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى " ( المائدة : 8 ) .
   اننا نرفض هذه ( البلطجة الفكرية ) كوننا مجتمع يعتز بثوابته الاسلامية ، كما سنرفض – بإذن الله – الفئوية والعصبية الجاهلية التي مازالت تنهش في اركان الوطن .
تابع القراءة ....

اختلاف لا خلاف

   ان العقل والتفكير لا يصلان بالانسان الى الحقيقة المجردة كما كان يتصور المناطقة القدماء وعلى رأسهم ارسطو ، فلو كان الامر كذلك لما احتاج الناس الى وحي مُنزل يدلهم على حقيقة وجود الله ، حيث ان هذا القصور الانساني يكمله و يوجهه الوحي الالهي الذي لا ياتيه الباطل .
   وكذلك فإن المرء لا يمكنه ان يكون موضوعيا وحياديا تماما ، حتى ولو حاول جاهدا وصادقا ذلك . فالانسان ابن بيئته كما يقول علماء الاجتماع ، فهذه البيئة واسلوب التربية والعادات والتقاليد والمعتقد كل هذا يؤثر كثيرا او قليلا في طريقة سبره للامور , بل حتى التجارب الشخصية والعقد النفسية توجه تفكير المرء بشكل او بآخر . وهنا يكمن وجه القصور في عملية التفكير .
   فلو اعتقدنا هذا المبدأ وسلمنا به – أي القصور في اوجه التفكير البشري – كان من الاجدى ان نرجع عمليات تفكيرنا الى ثوابت ومعتقدات لا يعتريها الباطل لتقويم عملية التفكير ولكي تحميها من الانحراف . ونحن كمسلمين نؤمن بيقين ان الوحي الالهي هو الثابت الذي نركن اليه في هذه العملية المعقدة . قال الله تعالى : " فإن تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير واحسن تأويلا " . ( النساء : 59 ) ولهذا من الاحرى ان لا نخرج في آراءنا ونظرياتنا من اطار الوحي المعصوم حتى نصل الى نتائج اقرب الى الحقيقة الكاملة .
   فالعقول البشرية كثيرا ما تصل الى نتائج مختلفة ومتباينة في الموضوع الواحد ، وقد يؤدي هذا الاختلاف الى خلاف ويتهم كلٌ الاخر بعدم الموضوعية والانحياز والقصور . والحقيقة ان الاختلاف سنة الله في خلقه " ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين " ( هود : 118)
   من كل هذا نخرج برؤية مفادها : اذا تفهمنا ان الاختلاف في الاراء بين البشر سنة كونية ، فينبغي لكل من يتفهم هذه الحقيقة ان يحترم الرأي المقابل . وبالطبع فإن هذا الاختلاف ليس بإطلاقه ، بل يتقيد بضابط التسويغ . فهذا الاختلاف ينبغي ان ينطلق من مقدمات تحتمل التفسير بأوجه متعددة ، وليس بإستخدام التأويل القسري .
   كانت هذه المقدمة ضرورية للتطرق الى حديثنا عن الاعتصامات ، فإذا ءامنا ان الاختلاف سنة كونية لم نُفاجأ بتعدد الاراء حول اهمية الاعتصامات .
                                      
                                        ***   ***   ***
   وصف احد الناشطين والمنادين بالدستور التعاقدي - في مقالة له – الذين يعارضون هذا الدستور ( بالغوغائيين ) , كما وصفت احدى الناشطات المعارضين للدستور ( بالاغبياء ) " فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد اشحةً على الخير "( الاحزاب : 19)
وياسبحان الله ! هؤلاء الناشطين كثيرا ما كانوا يتحفونا بالحديث عن الحرية وحق الانسان في التعبير عن الرأي ، وهم انفسهم قد قالوا ما عندهم وربما اكثر في مختلف ميادين الاعتصامات ، وسابقا في بعض القنوات الخارجية والصحف غير المحلية . ولكن العجيب ان دعاة الحرية هؤلاء هم انفسهم من يصادر الافكار وحرية التعبير بمجرد انها خالفت توجهاتهم ودعواتهم .
   أليس من التعارض لمبدأ حرية التعبير – وهم الذين بُحت اصواتهم وهم ينادون به – ان يتهجموا على المعارضين لهم بالسب والشتم فقط لانهم خالفوهم في قول او فكر؟! .
هاهم بدؤا بالسب والشتم وهم لا يزالون في صفوف الجماهير ، ولم يتولوا بعد اية مسؤولية كبيرة في الدولة ، وانني اتسأل : ماذا كانوا فاعلين لو وصلوا الى مراتب السلطة العليا؟! . اظن ان بعض هؤلاء الحقوقيون – كما يسمون هم انفسهم – سيتحولون بقدرة قادر الى استبداديين بمجرد ان احدهم  تجرأ وعارضهم . وربما لن يفعلوا اكثر من تكميم افواه معارضيهم لمنعهم من التصريح . " وتلك الايام نداولها بين الناس " (آل عمران : 140) .
   يذكرني هذا الصنف من دعاة الحرية بالمعتزلة في العصر العباسي . فقد كان المعتزلة في بداية نشأتهم وضعفهم مطاردين ( بالطبع حال اصحابنا الحقوقيون في مجتمعنا احسن بكثير من حال المعتزلة آنذاك ) وكانوا حينها ينادون بنبذ التعصب ، ويدعون الناس الى اعمال الفكر الحر ، والدعوة الى حرية المبادئ والاعتقاد .
   ولكن انقلبت الآية حينما وصلوا الى مدارج السلطة في عهد الخليفة العباسي المأمون ، حيث اضطهدوا العلماء في حينه ، فسُجن البعض ، وجُلد آخرين ، كما قتلوا البعض الآخر ، فكان ما يعرف في التاريخ الاسلامي بالمحنة .
   ان تصرفهم ذاك كان مناقضا لما دعى اليه منظريهم سابقا ، والزموا انفسهم به ، وطُوردوا وسُجنوا في سبيله .
   ان التاريخ لا يعيد نفسه ، لكن السنن الكونية والظواهر الكبرى تبقى ثابتة لا تغيرها الايام والسنون ، وهي التي تطل برأسها موحيةً  خطأً بتكرر حوادث التاريخ .
   ان من الطبائع المنغرسة في اكثر فئات مجتمعنا المحلي هو الميل الى التسلط والقيادة ، والاستياء من معارضة الآخر للرأي ، حيث يخلط المرء بين الذات والموضوع ، فيظن ان أي انتقاد لرأيه هو انتقاد لشخصه وطعن في كرامته ، فيثور ثائرته  " يحسبون كل صيحة عليهم " (المنافقون : 4) .
   ربما كنت هذه المشاعر والميول هي من اثر بقايا البيئة الجغرافية على ابنائها ، فأغلب افراد المجتمع بين ان يكون بدويا نسبة او تأثراً ، او حديث العهد بالبداوة ، ولا يخفى ان آثار الاعراف والعادات تظل باقية في دخائل النفس لسنوات وربما لاجيال حتى تبدأ بالخفوت , واخواننا الحقوقيون هم من فئة الائمة الغير معصومين ، والذين تنطبق عليهم سنن الله في خلقه ، ويبدو ان كلمات مثل (غوغائيين) و (اغبياء) هي من آثار عصر البداوة الفكرية فضلا عن البداوة الجغرافية .
تابع القراءة ....

مستبد ينادي بالحرية

   يذكر الدكتور علي الوردي – في معرض حديثه عن المجتمع العراقي – انه بعد اعلان المشروطية في العهد العثماني والتي كانت ترفع شعار " الحرية والعدالة والمساواة " قام احد اللصوص بالسطو على بيت وقتل صاحبه . فلم قدم للمحاكمة ، وصدر عليه حكم الاعدام تعجب وقال : اين هي الحرية التي تنادون بها ؟! .
   علق الوردي على هذه الحادثة قائلا : " انه ظن (أي اللص) ان الحرية هي ان يسمح للانسان بأن يسطو ويقتل كما يشاء " . فقد فهم هذا اللص الحرية بإطلاقها دون تقييد ، وخلط بين حقوقه وحقوق الناس .
   اننا نلمس بعض جوانب هذا الخلط بين فئة من اخواننا المعتصمين ، حيث اختلط مفهوم الحرية الذي نادوا به ، وذلك بالمساس بحرية باقي المواطنين والمقيمين وحقوقهم الاصيلة .
   انه من التعارض ان يدعو المرء الى الحرية ثم يقوم بمصادرة حرية الآخرين . ومن صور هذا التناقض ان يدعو احدنا الى الحرية ثم يقوم بإغلاق الشارع على مستخدميه وذلك بحجة زيادة الضغط على الحكومة .
اليس من حق الاخرين ايضا ان يذهبوا الى اعمالهم ومشاغلهم او حيث شاءوا ؟ّ!
هل الحرية التي يريدها هؤلاء حكرا فقط عليهم هم ورفاقهم دون الاخرين؟!
   هو يرى ان له الحق ان يعتصم ويتظاهر ويطالب ، ونحن نرى ايضا انه من حق الآخر ان يكون له الحرية في الاختيار ، ومن حقه ان يعتصم او يرفض الاعتصام ، ويذهب الى وظيفته كالمعتاد دون مصادرة حريته الشخصية .
   اذا اعطى المتظاهر لنفسه الحق ان يضغط على المسؤولين لارغامهم على الوفاء بحقه ، فمن اعطاه الحق ان يجعل من الاخر ضحية ووسيلة للحصول على مطالبه .
   المشكلة ان بعضنا يريد من العالم كله ان يفكر بنمط أُحادي ، وهو نمط تفكيره واسلوبه في الحياة . يريد البعض هذا وكأن افكارهم ومنهجهم تراث مقدس يجب المحافظة عليه واتباعه .
   ان الدعوة او ارغام المجتمع على اتباع منهج " آحادية التفكير " هي دعوة مقنعة للاستبداد والظلم . وهذا امر يرفضه المجتمع بكل شرائحه .
   ولا يفوتني ان اذكر بضرورة تقنين الدعوة الى الحرية بضوابط تعكس ظروف المجتمع المحلي ، فإذا كانت الدعوات الغربية تنصب في قالب الحرية المطلقة ، فنحن ندعو الى الحرية المنضبطة .
   فهذا المذهب المطلق في الحرية لا يرى بأسا اذا تجرأ احدهم وطعن في الذات الآلهية ، او بأحد من الانبياء ، فهذا عندهم يقبع تحت مظلة حرية التعبير والاعتقاد .
   ان الدعوة الى تطبيق هذا المذهب في مجتمعنا هي دعوة عمياء لا تبصر خصوصية المجتمع المحلي المغاير الى حد بعيد تلك المجتمعات الغربية ، فليس كل ما يلائم الغرب يلائمنا بالضرورة .
   ان التطبيق المطلق لحرية التعبير والاعتقاد يصدم الى حد التصدع البنية الاجتماعية الخاصة بنا ، فضلا عن تعارضها الصارخ للثوابت الاسلامية ، وحيث ان القوانين تعكس روح المجتمع فهذا تصادم اخر مع التشريعات القانونية التي تطبق في الاصل للحفاظ على المجتمعات من الانحلال والتفكك .
تابع القراءة ....

الأربعاء، 17 أغسطس 2011

تعطيل التفكير

   كان احد المعتصمين من الشباب المتحمس يذكر اهمية تبني الدستور التعاقدي ، وصار من المنادين له ، وعندما سئل ماذا يُقصد بالدستور التعاقدي؟ وبماذا ينادي؟ اجاب اخونا الطيب : لا اعرف بالضبط , ولكن من المؤكد ان تطبيقه سيكون في صالح الوطن والمواطن ؛ لان (طبقة) المثقفين ينادون به ! .
من الغريب ان ينادي البعض بأشياء وهو لايعرف ماهيتها !.
 يقول تعالى : " ولا تقف ماليس لك به علم " . ( الاسراء : 36 ) .
حيث ان من اكرام المرء لعقله ان لا يتحدث في مسائل هو لا يفهمها "ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه ووقف عند حده" . لكن لما بدأ بعض الفئات من المعتصمين بالترديد المستمر لموضوع الدستور التعاقدي بكل حماسة وقوة رغم ان كثيرا منهم لم يستوعب بعد معنى هذا الدستور او بماذا ينادي؟.
   هناك بالطبع عوامل متعددة ادت بنا الى هذه النتيجة المؤسفة , فمثلا : ضعف الشخصية قد تكون احد الاسباب ، وكذلك الجهل الذي يؤدي الى الانبهار بالمتحدث او الخطيب البليغ المفوه وكأنه المبارز الاوحد في الساحه ، وحديثه حق لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، هذا الانبهار الشديد الذي يؤدي الى الانصهار في فكر الخطيب ، وفي ظل تغييب العقل ، او النقد الموضوعي للخطب والمحاضرات ، فيظن السامع ان الحق واحد وليس له ثان ، رغم انها مسائل اجتهادية قد تصيب الحق او الباطل ، او قد تكون عوانٌ بين ذلك .
   ولكن في الحقيقة ان عدد كبير من هؤلاء المعتصمين تم اقناعهم بهذه الافكار عن طريق التلاعب بوتر العاطفة . وان من اصول فن الخطابة والتحدث مع الآخرين والذي يُدرس في المؤسسات الاكاديمية ان يفرق الخطيب بين الحضور المستمع ، فإن كان الحضور من النخبة المتعلمة او عالية الثقافة فعلى المتحدث ان يستعمل لغة المنطق والارقام والعقل والبراهين ؛ حتى يتمكن من اقناع الجمهور الواعي بما يقوله .
   اما ان كان الحديث موجه الى عامة الناس ، والذي يجمع بين معظم فئات المجتمع ، والذي يغلب عليه فئة الاميين او اشباه الاميين ، فعلى الخطيب ان يستعمل لغة العاطفة . فهي عندما تجيش تتغلب على لغة العقل والمنطق ، فيصير الفرد اشبه بالمنوم مغناطيسياً ، او قل كالسكران اذا شئت ، فلا يعد يفهم لا منطق ولا عقل ، وعندها يصبح المرء جاهزا ليتشرب معظم الافكار التي يروج لها هذا الخطيب المفوه والبارع في الغوص في اعماق النفس .
   هذا المسلك ينتهجه بعض هؤلاء الخطباء ، فهم يبدأون بالحديث عن معاناتهم الشخصية ، والظلم والقهر الذيْن تعرضوا لهما ، حتى اذا وصل المستمع الى مرحلة البكاء او كاد يتغير الموضوع الى مسألة الحقوق المسلوبة ، سواء اكانت بالفعل حقوقا شرعية للمواطن ، ام يُراد للمواطن ان يعتبرها حق له وهي ليست كذلك ، المهم ان هذا الحشد من الجمهور العاطفي والحديث العهد بالحرية والخطب الرنانة يبدأ بالتصفيق والتكبير والتهليل ، ويصبح الاخ الخطيب بطلا وطنيا لم تنجب البلاد مثله في الشجاعة والثقافة والامانة وحب الوطن .
   عندما نبدأ بتقديس الفرد - الغير معصوم - نكون قد بدأنا بالانحدار حيث يصبح كل ما يتفوه به هذا المقدس حقا مقدسا ، ولا يرضى المرء بعدها ان يتقبل رأياً مغايراً فضلاً عن ان يتقبل نقدا ادبيا لأقوال وافكار هذا المعصوم .
   ان من الواجب علينا ان نتأمل في الافكار التي تطرح علينا ، وان لا نتبنى شيئا منها قبل فحصها والتمحيص فيها ، وان لا نكون امعات اذا احسن الناس احسنا وان اساءوا اسأنا ، او على طريقة الشاعر الذي قال :
          وهل انا الا من غزية ان غوت        غويت وان ترشد غزية ارشد
   نحن مع الذين ظُلموا وسلبت حقوقهم ، نقف معهم قلبا وقالبا ، ونطالب بأن ترد اليهم حقوقهم ويعوضوا عنها ، ولكن ينبغي الا نخلط بين الذات والموضوع . فنحن اذا ساندناهم لاخذ حقوقهم وتعاطفنا معهم لا يعني هذا اننا نؤمن بكل ما ينادون به ويروجون له . اننا معهم حتى يأخذوا حقوقهم كاملة ، ثم من واجبهم ان يعودوا الى صفوف المواطنين ، لهم ما للمواطن ، وعليهم ما عليه ولا فضل لأحد على احد .
تابع القراءة ....

الثلاثاء، 16 أغسطس 2011

الصفعة التاريخية والاعتصامات

صفعت الشرطية التونسية البائع الجوال محمد البوعزيزي ، وجرى ما جرى في الامة العربية ، بل اثرها اخذ منحىً عالمياً مثيراً .
   هذه الشرطية -الظالمة او المسكينة- لم تكن تعلم ولا حتى مجرد شك ان هذه الصفعة ربما تكون من اكثر الصفعات التي ستؤثر على مجرى التاريخ كثيرا او قليلا .
   انها صفعة ، وربما كان من واجب المتحمسين للتغيير ان يشكروا هذه الشرطية على اساءتها في الخدمة ، والتي كانت الشرر في هذه التغيرات الجسيمة في الامة .
   ربما يتمنى بعض المسؤولين الكبار ان يقتل هذه الشرطية او حتى يأكل من لحمها حتى لو كان مراً ، وبالطبع لا داعي ذكر السبب لانه معلوم بالضرورة .
   اكثر مايهمنا الآن هي الاعتصامات التي جرت في بلادنا ، و ما صاحبها من احداث ايجابية او سلبية . ان التركيز على المؤشرات التي صاحبت الاعتصامات قد تكون اكثر اهمية من ذكر محاسن او مثالب الاعتصامات او المظاهرات ، على الاقل في الوقت الراهن .
   بدأت الاحتجاجات في عمان و كانت احدى نتائج الاخطاء الجسيمة و المتكررة التي ارتكبت في الماضي ، و تم تجاهلها بقصد او بغير قصد ، لم يعد يهم كثيرا . الاهم من ذلك ان الاحتجاجات و الاعتصامات اصبحت واقعاً يجب التعامل معه بصبر و حنكة و تفهم . و نأمل ان نكون قد تجاوزنا هذه الاحداث – كلنا ابناء هذا الوطن شعبا و حكومة – بوعي اكبر ، وان نعمل جميعا على تجنب اخطاء الماضي ، وان نقوم بتحليل الاوضاع الحالية من اسباب و نتائج ومؤثرات داخلية او خارجية و الربط بينها وان نخرج برؤية واضحة ذات انتاج عماني خالص ، وليست مستوردة ومعلبة من الخارج ، ومحاولة اسقاط تلك الرؤى علينا قسرا ، دون مراعاة اختلاف الثقافات و المرجعيات والظروف المحلية الخاصة بالمجتمع .
                                    ***   ***   ***   ***   ***
   يقول الثائر الشيوعي المعروف تشي جيفارا : " الثورة لا يقوم بها الا مغامر ولا يستغلها الا انتهازي " .
   قد اصاب جيفارا بعض الحقيقة بهذه العبارة ، وبالنظر في واقعنا المحلي نجد ان مجتمعنا منتج للعديد من الانتهازيين و المتسلقين ، ربما ذلك بسبب التوجه السائد في المجتمع والذي يبجل القوي وصاحب السلطة ، مما يغري الكثير للظهور عله يحصل على شئ مما يطلبه ويتمناه في دخيلة نفسه .
   كانت هذه الاحداث مناسبة لظهور فئة من الناس والتحدث امام الجماهير في مواقع الاعتصامات ، بل حمل البعض نفسه عناء الانتقال من منطقة الى اخرى بغية عرض افكاره الخاصة على الجمهور العريض ، وهذه الاراء قد نتفق في بعضها ونختلف في البعض الاخر .
كما كانت فرصة لفئة اخرى لم تعرف بسابقة او بادرة للخير ، بل كانت عكس ذلك تعرف بسوء الخلق وضعف الضمير وعمى البصيرة ، ولكن صاروا - وسبحان الله مغير الاحوال – في فترة وجيزة نجوم الجماهير ومضرب الامثال في الوطنية و الشهامة .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ، ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ، ويخون فيها الامين ، وينطق فيها الرويبضة . قيل : وما الرويبضة؟  قال : الرجل التافه يتكلم في امر العامة " . ( صحيح الجامع للالباني) .

   اذكر هنا مجموعة من المنظرين - الذين يحبون ان يطلق عليهم اسم المثقفين – جاءت الى محافظة ظفار لتقوم بتقديم واجب الدعم ، ثم واجب نشر الافكار على الجمهور الغفير .
هذه المجموعة كانت تتألف من بضع رجال ونساء ، ولكن الذي يلفت الانتباه ويثير الاستغراب ان من بين هؤلاء النسوة فتاة  ترتدي الحجاب بينما كانت قبل ايام في ميدان مجلس الشورى بمسقط لا تعترف بالنقاب ولا الحجاب ولا هم يحزنون .
لماذا اصبحت متحجبة بعد ان كانت سافرة ومتبرجة؟
ولماذا اصبحت ملتزمة باللباس الساتر لكل الجسد بعد ان كانت قبل ايام قليلة متحررة؟
انها الازدواجية في التعامل ، بكل بساطة لانها لا تريد ان ترفض من قبل المعتصمين بسبب مظهرها الغير مرغوب ، وبالتالي يرفض الجمهور المعتصم ما جاء به ابطالنا المنقذين ، وربما تعرض مشروعهم الوطني - الذي سيحولنا من الضلالة الى الهداية – الى الفشل .
   كما من العجب ان يتحول احد دعاة العلمانية من (طبقة) المثقفين - بقدرة قادر – الى خطيب وامام لصلاة الجمعة في احد ميادين الاعتصامات .

   انني اؤمن ان الذي يتصدر الناس للاصلاح والتنظير ينبغي ان يكون مؤهلاً للتصدر من وجهين .
الوجه الاول : بحيث يكون ملماً ، ومؤهلاً للتنظير، وحل المشكلات ، سواء اكان مؤهلاً من جهة الاختصاص الاكاديمي ، ام كان التأهيل من جهة الخبرة و الالمام و التثقيف الذاتي .
الوجه الثاني : ان الذي يرضى لنفسه ان يكون متصدراً لاصلاح المجتمع من الواجب ان يكون اول العاملين بما يقول ، وقبل ذلك ان يكون ذو خلق رفيع .
   ان الذي يعجز ان يقود نفسه الى طريق الهداية والرشد ، عاجز  ان يقود امة الى الخير و الصلاح .
          واذا اصيب القوم في اخلاقهم                   فأقم عليهم مأتما وعويلا
   ان مما يثير الضحك والبكاء في آن واحد ان بعض هؤلاء المتصدرين والمنظرين هم من اسوء الناس اخلاقا وانحطاطا في مجتمعاتهم ، والانكى ان بعضهم لا يتستر بقبائح افعاله ، ربما سيرا بقاعدة : " اذا لم تستح فاصنع ماشئت " .
   ليست المشكلة فقط انهم رضوا ان يكونوا مصلحين للمجتمع رغم الفساد الظاهر عليهم ، فهم قد ينطلقون من مرجعيات وثوابت غير مرجعياتنا وثوابتنا الاسلامية . ولكن المشكلة كيف يتقبلهم الناس وهم على هذا السوء؟! .
قال تعالى : " ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم " (سورة محمد : 7 )
فأي نصر نريد ونحن لا نعرف حتى كيف نختار من يمثلنا وينادي بحقوقنا الشرعية ؟!.
تابع القراءة ....

الاثنين، 15 أغسطس 2011

وعي امة

في عام 1952م وقع الانقلاب العسكري في مصر ، واطيح في حينه بالملك فاروق ملك مصر آنذاك . وقد سمي الانقلاب بالحركة المباركة ، وغلب عليه اسم ثورة 23 يوليو . فهي في حقيقته انقلابا عسكريا ساندته الجماهير في حينه بخروجها الى الشارع و اعلانها دعم هذا الانقلاب .
  ربما ماحدث آنذاك في مصر يسوغ اطلاق اسم ثورة على ذلك الانقلاب، حيث كانت ثورة بمعناها التغييري ، فتغير نظام الدولة من مملكة الى جمهورية ، كما حدث تغير كبير في نظام الاقطاع والطبقات ، و تحولت شيئا فشيئا الى النظام الاشتراكي .
  ما يهمنا في ذلك الحدث هو خروج الجمهور الى الشارع ، ودعمه للانقلاب حتى تغير اسمه من انقلاب الى ثورة .
 السؤال لماذا خرج الناس الى الشوارع و الميادين؟

  قالوا في حينه انهم خرجوا سعيا وراء لجم الفساد ، وكبح جماح الفقر ، والعديد من الاسباب الاخرى . فالفساد كان محورا اساسيا للثورة ، كما كان سببا اساسيا لثورة 25 يناير الاخير في مصر و الذي اطاح بمحمد حسني مبارك .
بين الثورتين ما يناهز59 عاما ، و في كليهما يبرز رأسي الفساد و الفقر عاليين .

السؤال الاهم : لماذا لم تتغير الاوضاع؟ و لماذا لم يتم القضاء على الفساد اوعلى الاقل التقليل منه؟
الم يتم تغيير رموز الفساد بعد ثورة 23 يوليو؟
اذن لماذا عاد الفساد مجددا و استشرى في مصر؟
ليس غياب تطبيق القانون هو وحده السبب فيما حصل . فالقانون الصارم قد يمنع اللص من ان يسرق خوفا من العقاب ، و لكنه لا يحول اللص الى رجل ملائكي . وقد يكبح جماح المفسدين و لكنه لا يصنع الاحرار و المجاهدين في سبيل الاصلاح و البناء .
  ان المشكل يقبع في مسألة التربية و الاصلاح ، فنحن نحتاج الى تغيير وعي امة .
  قد سعى الثوار في عام 1952 الى تغيير الاشخاص و الرموز والدستور و القوانين ، و لكنهم لم يغيروا وعي الامة ، و لم يعيدوا تربية النشئ من جديد بما يساعد على خلق مجتمع مؤمن بالاصلاح ويسعى له ونابذ للفساد و المفسدين .
  اذا كنا نحارب الفساد ، فمن الواجب ان يتزامن ذلك مع مقاومة الاسباب المؤدية الى هذا الفساد ، واما واذا تركت الامور على عواهنها من دون التفات الى جذور الفساد فلن نصل الى نتيجة مرضية و ستولد ثورات ثانية و ثالثة و عاشرة .
  قد شهد آباءنا ثورة 23 يوليو في عام 1952م ، وشهدنا نحن ثورة 25 يناير عام 2011م ، ومن يدري؟ فقد يشهد ابناءنا ثورة مماثلة اخرى مادامت عوامل الفساد لم تجتث .

  في مجتمعنا يتسابق المسؤول مع الزمن ليجني اكبر الارباح من منصبه - هذا رغم حبه للوطن – في توظيف لاقاربه ، او تمرير معاملات معينة تربطه بها مصالح خاصة ، الى اخر اشكال المحسوبية . بل اننا قد نلمس هذا في عضو مجلس الشورى – ممثل الشعب – حيث يجهد بعض الاعضاء انفسهم في سبيل الحصول على اراض سكنية و تجارية و صناعية... في مختلف ربوع البلاد ، فضلا عن سعيهم الدؤوب لاقامة علاقة مصالح شخصية مع كبار المسؤلين في الدولة .
  هذا التوجه من قبل المسؤولين و الوجهاء سمة عامة في مجتمعنا ، وقد اصبح عرفا اجتماعيا ، فهو غير محصور في فئات معينة ، بل اغلب افراد المجتمع هذا ديدنهم عند تقلدهم مسؤولية معينة ، وما انتشار " الواسطة " الا صورة من صور هذا العرف الاجتماعي السائد بقوة .
  ليس ضعف الوازع الديني و الاخلاقي هو السبب فقط لانتشار ظاهرة الفساد و المحسوبية في المجتمع ، بل اكثر من ذلك هو هذا العرف السائد الذي يؤدي في نهاية المطاف بالمسؤول – الذي يقضي في العادة عقود في منصبه – الى التلاعب بمقدرات الدولة و حقوق المواطنين .
  ينبغي على المسؤولين في الدولة و خاصة المنوط بهم النظام التربوي و الاعلامي و الديني ان يدرسوا هذا التوجه ، وان يضعوا العلاج المضاد له . يجب ان نغير من النظام التربوي و الاعلامي وان نطور الخطاب الديني بما يتلائم مع معالجة مشكلاتنا و همومنا .
  هذا التغيير لن يؤتى ثماره في غضون سنوات قليلة ، فتغيير اعراف ووعي امة ليس بالامر اليسير ، و هو يحتاج الى مواصلة ومثابرة لسنوات مديدة قد تصل الى جيلين او ثلاثة اجيال حتى نجني ثمار هذه الاستجابة الانسانية .
تابع القراءة ....